حياة الأخ اسطفان نعمة

اختارته الرّهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة ديرًا للإبتداء، ووضعت ثقتها فيه لاعطاء التنشئة اللازمة والضروريّة لطالبي الترهّب وأصحاب الدعوات الصادقة، نظرا الى كونه حقلا خصبا لكلمة الله ومدرسة قداسة.

ففي كلّ زاوية من رحاب الدير، يقع نظرك على طيف القدّيس نعمة الله والمكرّم الأخ اسطفان نعمه، حيث يسود جوّ الصلاة والتأمّل والصمت والسكون. فالابتداء بحسب قانون الرهبانيّة: “عبارة عن مرحلة اختيار رهبانيّ، فيها يمتحن المبتدء نفسه وتختبره الرهبانيّة، وفيها يتدرّب على الاصغاء الى كلام الله، ويتمرّس على عيش الحياة الرهبانيّة والسير بموجب قوانينها، ويتعرّف الى متطلباتها وقيمتها، في جوّ جدّيّ من التأملّ والصلاة والعمل”

كما أنّ امتداد الأراضي الزراعيّة وأحراش السنديان وأشجار الزيتون والصنوبر وكروم العنب التي تحيط بالدير، تخلق جوّا مناسبا للابتداء وتفتح أفاقا جديدة للمبتدء، يتطلّع من خلالها الى اكتشاف دعوته، فيتيقّن أكثر فأكثر معنى الحياة الرهبانيّة والوجود وأهميّة تسلّق سلّم الكمال والسابق الى السماء. ويضم دير كفيفان ضريح القديس نعمة الله كساب الحرديني وضريح الأخ المكرم إسطفان نعمة

نشأته
الأخ إسطفان نعمه هو يوسف بن إسطفان نعمه وكريستينا بدوي حنّا خالد من قرية لحفد في جبال بلاد جبيل. هو صغير العائلة المؤلفة من أربعة شبّان: نعمة الله، سركيس، هيكل ويوسف؛ ومن شقيقتين: توفيقة وفروسينا

ولد في 8 آذار سنة 1889. اقتبل سرّ العماد بعد أسبوع من ولادته، في كنيسة السيّدة في لحفد، على يد الخوري جرجس فاضل. وكان عرّابه طنّوس البدوي يوحنا، وعرّابته حرمة طنّوس بو شبلي

تعلم مبادئ القراءة، فكان يُرى يقرأ في كتاب صلاته الصغير (الشبيّة)، الذي لا يفارق جيبه. كما كان يرعى البقر في الحقول المتاخمة لبيته الوالدي. وكان يتردّد دائمًا على معبد مار سابا ويصلّي

مرّةً بينما كان يوسف في الحقل، رأى حيوانًا برّيًّا صغيرًا، يسمّى “غرَير”، فتبعه. دخل الغرير مغارةً محفورةً في الأرض ولاحظ يوسف أنّ هناك آثار مياه في هذه المغارة، فعمل على نبشها، وأخرجها من جوف الأرض؛ وأصبحت نبعه تعرف إلى اليوم بـ “نبع الغرير”

فقد والدَه سنة 1903، ووالدته سنة 1914

دخوله الرّهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة

بعد سنتين من وفاة والده، وكان له من العمر 16 سنة، دخل يوسف دير مار قبريانوس ويوستينا كفيفان لينخرط في سلك المبتدئين في الرهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة. واتخذ في الابتداء اسم اسطفان، تيمّنا بشفيع بلده وأبيه. وتنشّأ على يد الأباتي اغناطيوس داغر التنّوري الذي وضع قوانين حديثة مليئة بالروحانيّة وبالعيش الرهباني المثالي

أبرز الأخ إسطفان نذوره الرهبانية في 23 آب سنة 1907، وكان له من العمر 19 سنة. وأتقن الأخ إسطفان بعد مرحلة الإبتداء مهنة النجارة ومهنة البناء بالاضافة الى اشغال الحقل، وكان معروفا ببنيته الجسديّة القويّة. حتّى كان يقال عنه: “الأخ إسطفان ما في يدشِّر المنشار، بتبرُد مسكتو”. ثم مع النجارة، أمضى الأخ إسطفان حياتَه في الرهبانيّة عاملاً في الجنائن والكروم. وكان معروفًا ببنيته الجسديّة القويّة

خدمته في الرّهبانيّة

امضى حياته في الرّهبانيّة يعمل في جنائن الأديار التي تنقّل فيها: دير مار أنطونيوس- حوب، دير مار شليطا- القطّارة، دير ما مارون-عنّايا، دير سيدة المعونات- جبيل ودير مار قبريانوس ويوستينا- كفيفان

في كل هذه الأديار كان يتسلّم مهمّة رئيس الحقلة. وكان يعمل مع اخوته الرّهبان والعمّال بصمت ومحبّة واحترام، ويشهد الجميع على عدله واستقامته. فكان التلميذ الأمين ليسوع المسيح، عاكسا صورته أينما حلّ، وناقلا بشارته الى من عايشهم

لم يعرف البطالة أبدا، بل عاش قانون الرّهبانيّة اللبنانية المارونية وروحانيتها بدقة وأمانة، مقتفيا خطى الرّهبان القدّيسين، موزعا أوقاته بين عمل وصلاة، الى أن توفّي في 30 آب 1938 عن 49 سنة. ودفن في دير كفيفان حيث بقي جثمانه سالما. بوشر التحقيق في قداسته في 27 تشرين الثاني 2001، وصدّق البابا بندكتوس السادس عشر على فضائله البطوليّة في 17 كانون الأوّل 2007، وهو الرابع بعد اخوته أبناء الرّهبانيّة اللبنانيّة المارونيّة، شربل ورفقا ونعمة الله

روحانيّة الأخ اسطفان

“الله يراني”
“الله يراني” كلمات لطالما رددها الأخ اسطفان في كل عمل كان يقوم به. فهذا ما ميّز الأخ اسطفان بحضور صامت يعكس حياته المستترة مع المسيح، صابرا على اوجاعه، لا يشكو من ألم أو مرض، متقشفاً ومتجرّداً خصوصا في طعامه، قنوعا لا يطلب الاّ العيش في حضرة من كان يراه، فرحاً في حياته- وهذا ما انعكس نشاطا في عمله- فطناً في تصرّفاته، عادلا محبّا للمساواة فكان يعطي كلّ صاحب حقّ حقّه فنال احترام ومحبة من كانوا يعملون معه. كان رجل صلاة، تلميذا للارض التي كانت له مدرسة قداسة ومصدر روحانيّة

عرف أهميّة الأرض وقيمتها الحقيقيّة. كدّ وجاهد وعجن التراب بعرقه، وسعى سعيا دؤوبا من أجل بلوغ سلّم الكمال الرّهبانيّ وللّقاء بنور الله وكلمته الأزليّة. كان “فلاحا مكفيّا وسلطانا مخفيّا”، يقوم قبل بزوغ الفجر وشروق الشمس للصلاة والعمل، على مثال معلّمه الأوّل يسوع المسيح.
البسمة الصافية النيّرة لا تفارقه، صامت، متأمّل في سنابل القمح وخيرات الأرض، وضيع القلب، هادئ، رصين، صلب صلابة الصخور. بنى حياته مدماكا تلو مدماك على أساس متين وثابت، كما كان يرصف حجارة الجلول والحقول

وجهه وجه البراءة والحكمة، وجه السلام والحبّ، أضاء عينيه بنور الانجيل، ونور الايمان: ايمان الأرز وابن القرية اللّبنانيّة، ايمان الأجداد والاباء والأمهات، ايمان البساطة والفرح. ليّن في المحبّة والرحمة والحنان والعطاء كليونة السنابل أمام نسيم الصباح، وصلب في الايمان والجهاد والعدل والقداسة كتجذّر السنديان في عمق التراب. فكلما نظر الى الشمس، تطلع الى السعادة في نور وجه المسيح وبهائه وجماله

أما محبته للسيدة العذراء فكانت كبيرة جدًّا، فكان يردد سبحتها طوال النهار، ويقضي ساعات طويلة من نهاره ساجدًا أمام القربان الأقدس في الكنيسة

أدوات صقل حياته

أدوات عمله اليوميّ، كانت المنجل والمعول والشوكة والمخل والمنشار والمطرقة… يستعملها في اصلاح الأرض وحراثة التربة وتشذيب الصخور وهندستها وفبركة الأبواب والشبابيك. أما أدوات صقل حياته فكانت كلمة الانجيل والصلاة والتأمّل، وسبحة البتول مريم وخدمة المحبّة والشراكة مع اخوته الرّهبان والقدّاس الالهيّ، متشوقا دوما الى اللّقاء بالحبّ الالهيّ. كانت حياته فعل شكر وتقدمة مقدّسة لله ومشورا من الأرض الى السماء، زارعا دروبه سنابل قمح

لم يتراجع يوما ولم تهزّه الرياح العاتية التي عصفت بلبنان ابّان الحرب العالميّة الاولى، بل حمل الصليب ناكرًا ذاته وتابعا معلّمه، واضعا ثقته فيه من دون تردّد أو خوف. تجرّد من كل ما يعرقل وصوله الى النّور الحقيقي، شمس الرّحمة والعدل. لذلك رفعه الله جدّا وسيرفعه على مذابح الكنيسة قدّيسا وشفيعا للكنيسة والرّهبانيّة ولبنان والعمّال أجمعين

بعض ما ورد في روزنامة الدير عن الأخ اسطفان نعمه

كتب الأب أنطونيوس نعمه رئيس الدير، بعد وفاته، ما يأتي: “غادر هذه الفانية نهار الثلاثاء الساعة الرابعة مساء في الثلاثين من آب، الأخ اسطفان نعمه اللّحفدي. وكان أخا عاملا نشيطا غيورا على مصلحة الدير، قويّ البنية، صحيح الجسم، مسالما، بعيدا عن الخصومات، قنوعا، فطنا بالأعمال اليدويّة، محافظا على واجباته ونذوراته، قائما بما عهد اليه حقّ القيام”

وفاته

استمر الأخ إسطفان يعمل في أرزاق الدير حتى وفاته في رائحة القداسة في 30 آب سنة 1938، عن عمر 49 سنة. وكان قريبًا من كلّ يتيم ومحتاج وعضضًا لكلّ جائع خاصةً في فترة الحرب العالميّة الأولى التي أصابت اللبنانيين بالجوع والفاقة والعوز. إنه بحق كان أبًا لليتيم

تمّت بشفاعته عدة شفاءات خارقة وعجائب مختلفة جعلت صيته ينتشر في لبنان والخارج وله محبّين في الكنيسة جمعاء

كان مثالاً في بطولة فضائله اللاهوتيّة والإنسانيّة. ويبقى المثال الحي للإلتزام الرهباني في الحياة الرهبانيّة في الشرق. وإن هذا القرار لمؤتمر المجمع اللاهوتي يضعنا أمام تهيئة الإحتفال بتطويبه وطلب شفاعته لكل محتاجٍ ومتألم وهو نورٌ جديد يطل علينا من لبنان القداسة والقدّيسين

من أقوال المكرّم
“الله يراني”
“هنيئا لمن تزيّن بالعلم الذي يقود الى الله”
“المحبّة لا تحتاج الى علم لأنّها من القلب تخرج”

ملف تطويبه

انعقد صباح اليوم الثلاثاء 16/3/2010 مؤتمر الكرادلة في مجمع القدّيسين في الفاتيكان خصيصًا لدراسة ملف تطويب المكرّم الأخ إسطفان نعمة والأعجوبة المنسوبة إلى شفاعته وبعد المناقشة ودرس مراحل الدعوى، جاء تصويت الكرادلة على ملف تطويب المكرّم الأخ إسطفان نعمة إبن الرهبانية اللبنانية المارونية البار بالإجماع الكامل. وهكذا ينتقل الملف في نهاية الأسبوع الحالي ويوضع على طاولة قداسة البابا بندكتوس السادس عشر للموافقة وتحديد تاريخ التطويب النهائي

ومن المتوقع أن يكون تاريخ التطويب بين نهاية شهر حزيران 2010 وبداية شهر تموز المقبلين، كما سيكون الإحتفال بإعلان التطويب في لبنان. وبهذه المرحلة يكون مجمع القدّيسين قد أنهى كل الدراسات المتعلقة بملف دعوى تطويب المكرم الأخ إسطفان نعمة. وأصبح القرار النهائي بين أيدي قداسة البابا بندكتوس السادس عشر

ويأتي تصويت اليوم، علامة رضى من الرب القدوس وشهادة حق للرهبانية اللبنانية المارونية، رهبانية القديسين، وللموارنة خصوصًا، وللّبنانيين عمومًا عشية عيد القيامة المباركة

وهكذا ينضم المكرم الأخ إسطفان نعمة إلى لائحة الطوباويين والقديسين في الكنيسة المارونية والكنيسة الجامعة

قداسات شكر رُفعت، وقرعت أجراس الفرح للمناسبة شاكرة الرب على عطاياه للبنان بلد القداسة والطوباويين

صلاة للطوباوي اسطفان نعمة

أيُّها الطُّوباويُّ البارُّ إسطِفان، يا مَنْ بارتفاعِ عقْلِكَ وقلبِكَ الدَّائِمِ الى الله، كُنتَ حقًّا مُواطنًا سماويًّا، تُردِّدُ طُولَ نهارِكَ: “اللهُ يراني!”، فبلَغْتَ وطَنَكَ السّماويّ، بَعدَ أنْ قَضَيتَ في الرهبانيَّة ثلاثًا وثلاثينَ سنةً، على عدَدِ السَّنواتِ التي عاشها ربُّنا يسوعُ المسيحُ على أرضِنا، وما زالَ جثمانُكَ الطّاهر حيًّا عندنا، وقد حصلتْ بواسطتِهِ شَفاءاتٌ عديدة. نسألُكَ الآن أن تُعَمِّق في قُلوبِنا محبَّة الحياةِ المُستَتِرة مَعَ المَسيح، وَتَمُنَّ علينا أن نَنْهَلَ مِن مَعينِ روحانيَّتِكَ ما يُنْعِشُ حياتَنا المسيحيّة الحقَّة

إننا لَنَفْرَحُ بالتأمُّلِ في سيرتِكَ راهبًا عابدًا وعاملاً فيقوى إيمانُنا، ويتجسّدَ تكرُّسًا والتزامًا، بذلاً وعطاءً فننعمَ بمشاهدةِ وجهِ الله ونهتفَ معكَ بفرح القلبِ والروحِ والكيان
يا لَلسعادة، “اللهُ يراني”!

أيها الطوباوي البار إسطفان نعمة …. صلي لأجلنا

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

No Comments Yet.

Leave a comment