القدّيس دانيال العمودي البار

12-11

+ تاريخ سيرته:
‏ولد القديس دانيال العمودي سنة409م. ترهّب في سن الثانية عشرة. أمضى خمسة وعشرين عاماً في الحياة الديرية. تنقّل بين أبرز نسّاك زمانه على مدى خمس سنوات. في سن الثانية والأربعين استقر في مدينة القسطنطينية. أقام حبيساً في هيكل سابق للأوثان تسع سنوات. في سن الحادية والخمسين صعد على العمود. عاش عمودياً بقية حياته. رقد في الرابعة والثمانين وثلاثة أشهر، سنة493‏م. + ‏ولادته ونشأته: ‏اسم أبيه إيليا واسم أمّه مرتا. هذان كانا من قرية صغيرة تدعى ميراثا في أرض سميساط من بلاد ما بين النهرين. كان أبواه سريانيين وكانت أمه عاقراًً. زوجها والعشيرة كانوا يعيّرونها ومرتا كانت في مرارة النفس كل يوم من أيام عقرها. ‏مرة، في نصف الليل، خرجت من الدار وزوجها نائم، فبسطت ذراعيها ‏إلى السماء وصلّت بحرارة ومرارة قلب ودموع: “أيها الرب يسوع المسيح. يا طويل الأناة على خطايا الناس. يا من خلق المرأة، في البدء، لتكاثر جنس البشر. أنت ارفع عنّي العار وامنحني ثمرة البطن لأقدّمه إليك، أنت سيد الخليقة”. ‏ولم تنقضِ أيام كثيرة حتى حبلت مرتا وأنجبت، في زمن الولادة، صبياً ‏هو قديسنا، صاحب هذه السيرة. ‏لا نعرف بأي، اسم كان أبواه يدعوانه إلى سن الخامسة. في الخامسة ‏أخذاه إلى دير في جوار القرية وقرّبا عنه تقدمات من ثمار الحقل. سأل رئيس الدير والديه: “ما اسم الصبي؟” فذكرا اسماً لم يحفظه التاريخ، فلم يرق له بل قال:”لا، بل يسمى بالاسم الذي سوف يكشفه الله لنا”. على الأثر وجّه الرئيس كلامه إلى الصبي قائلاً: “اذهب، يا بني، إلى الطاولة، هناك، وأتني بكتاب!” الطاولة كانت مقابل الهيكل وكانت عليها كتب مختلفة لاستعمال الرهبان. فركض الصبي وأمسك بأحد الكتب وعاد فإذا به نبوءة دانيال فدعي الصبي باسم نبي الله. ‏ورغب والدا دانيال إلى الرئيس أن يقيم الصبي عنده لأنه نذير للرب فلم يشأ. ولعّل والديه أحبّا أن يفعلا بابنهما ما فعلته أم صموئيل بولدها (1صموئيل1-2)،  ولكن لم تكن ساعته قد حانت بعد. ‏عاش الصبي في كنف والديه إلى سن الثانية عشرة. فلما سمع أمّه تقول له، مرة: “يا بني، أنت نذير للرب. أنا نذرتك إليه”، قام فخرج من القرية دون أن يعلم أحد بأمره، وتوجّه إلى دير يبعد عن القرية مسافة ستة عشر كيلومتراً. فلما فتحوا له ووقف أمام رئيس الدير ارتمى عند قدميه ورجاه أن يقبله في عداد رهبانه. كان في الدير خمسون راهباً. فتحفّظ الرئيس لأن دانيال كان صغير السن ولا طاقة له على احتمال قسوة الحياة الرهبانية. وإذ حاول صرفه واعداً إياه بأن يقبله فيا المستقبل متى اشتدّ عوده، أجاب دانيال بإصرار: “خير لي أن أموت، يا أبتي، وأنا أكابد أتعاب الرهبنة من أن أفارق الدير”. ولما لم يجد رئيس الدير سبيلاً إلى إقناع الصبي بالعودة إلى بيته ولمس فيه رغبة جامحة لاقتبال الحياة الملائكية رضخ وقبله. ولم يطل الزمان حتى اكتشف أبواه أنه في الدير، فماذا كان رد فعلهما؟ فرحا جداً وشكرا الله على تحننه على الصبي وعليهما ورجيا رئيس الدير أن يلبسه ثوب الرهبنة بسرعة لأنه لم يكن قد فعل إلى ذلك الوقت. فما كان من الرئيس سوى أن أرسل في طلب دانيال وسأله إذا كان يرغب في لبس الثوب الرهباني أم يفضّل تأجيل ذلك إلى ما بعد، فأجاب الصبي: “اليوم قبل الغد يا أبتي!”. “لكني أخاف عليك يا بني لأن نظام حياتنا قاس!”. “أنا أعلم أني صغير السن وضعيف لكني أثق بالله وبصلواتك أن من يقبل نيّاتنا هو يقوينا!”. ولبس دانيال ثوب الرهبنة وانصرف والداه بعدما أوصاهما رئيس الدير بألا يزوراه إلا قليلاً لئلا يعثراه ويجرحا سعيه الرهباني من حيث لا يدريان لأن الشيطان يستغل زيارات الأهل ليشوّق الراهب، وهو في التعب والجهاد، للعودة إلى العالم.

+ دانيال راهباً:
أحرز دانيال تقدماً كبيراً في أتعاب النسك والصلاة. وكان رئيس الدير شغوفاً به لا يكفّ عن مدحه. والرهبان أيضاً كانوا يتعجّبون ويتحيّرون وربما يغارون. كل هذا سبّب لدانيال ضيقاً كبيراً ففكرّ بمغادرة الدير وزيارة ‏المدينة المقدّسة، أورشليم، وكذلك القديس سمعان العمودي الذي كان خبره على كل شفة ولسان. دانيال، من ناحيته، كان يشعر برغبة جامحة في نفسه إلى السير في خطى هذا القديس العظيم. ‏ولكن لم يشأ رئيس الدير أن يعطي دانيال البركة لإتمام قصده، فسكت وأسلم نفسه لله قائلاً إذا شاء الرب أن أخرج إلى هناك فهو يجد الطريقة لتحقيق ذلك. ‏ولم يمض وقت طويل حتى استدعى رئيس أساقفة إنطاكية كافة رؤساء الأديرة في الكرسي الإنطاكي إليه للبحث في أمر يهمّهم. ‏خرج رؤساء أديار بلاد ما بين النهرين إلى إنطاكية، لهذا الغرض، وكان بينهم رئيس الدير الذي كان دانيال المغبوط نازلاً فيه. ولحسن التدبير الإلهي أن رئيس الدير اصطحب دانيال مرافقاً له في سفره. ‏اجتمع رؤساء الأديرة إلى رئيس أساقفة إنطاكية وحقّقوا الغاية التي دعوا من أجلها في وقت قصير. على الأثر قفل الجميع عائدين كل إلى ديره. ‏أما رؤساء أديرة ما بين النهرين فعادوا معاً. وفي الطريق نزلوا في قرية اسمها تلانيسي كان فيها دير كبير جداً. الرهبان المسافرون ينزلون عادة في الأديرة التي يصادفونها. وكان القديس سمعان العمودي قد استقر في تلانيسي بعضاً من الوقت، وفيها تدرّب على النسك. وكان موضع عموده غير بعيد عن المكان. ‏في تلك الليلة التي نزل فيها القرية رؤساءُ أديرة ما بين النهرين، عرض الرهبان المحليّون لأخبار القديس سمعان، فما كان من الرؤساء ‏الزائرين سوى أن استغربوا واستهجنوا طريقة القديس سمعان وتكلّموا عليه بالسوء معتبرين نسكه ضرباً من ضروب الإدّعاء والمجد الباطل. ولكن، أقنع رهبان الدير زوّارهم بأن يذهبوا غداً إلى القديس سمعان وينظروا ‏وبعد ذلك يحكمون. خرج رؤساء الأديرة ومرافقوهم، في اليوم التالي،  لزيارة القديس سمعان على عموده. فما إن وصلوا حتى لاحظهم القديس فأشار إلى بعض تلاميذه أن يدنوا السلّم من العمود لكي يصعد إليه الشيوخ الزائرون لأنه أراد أن يقبّلهم قبلة المحبة. كان الوقت صيفاً والحر شديداً والمكان قفراً فتعجّب الشيوخ لاسيما وقد رأوا صبر القديس وترحيبه بالغرباء. لكنهم لم يشاؤوا أن يصعدوا إليه لأن قلوبهم نخستهم وشعروا بأنهم أساؤوا لأنهم ظنّوا في القديس سوءاً، فقالوا: “كيف نصعد إلى رجل الله لنقبّله بشفاهنا التي تكلّمت عليه بالسوء؟!”. لذلك تذرّع بعضهم بالشيخوخة وبعضهم بالمرض وبعضهم بالضعف ولم يصعد إليه أحد منهم. أما دانيال فتوسّل إلى رئيسه أن يسمح له بالتبرّك من القديس فسمح له. فلما صعد إليه باركه سمعان وسأله: “ما اسمك؟” فأجاب: “دانيال!” فقال له: “كن رجلاً يا دانيال! تقوّ واحتمل فإن مشقّات كثيرة بانتظارك. لكني أثق بالله الذي أنا خادمه أنه سوف يقوّيك ويكون رفيق دربك!” ثم وضع يده على رأسه وصلّى وباركه وصرفه.

+ إلى أرض جديدة:
‏بعد ذلك بزمن رقد رئيس الدير واختير دانيال ليأخذ مكانه. لا نعلم كم بقي رئيساً. جلّ ما نعرفه أنه أخذ يعدّ العدة، منذ وقت مبكّر، لمغادرة الدير لأن رغبة قلبه كانت أن يتحوّل إلى حياة النسك. لهذا السبب عيّن الثاني بعده في الدير رئيساً وارتحل. توقف دانيال عند القديس سمعان أسبوعين وتبرّك منه. ثم إذ كان في نيّته أن يزور كنيسة القيامة في أورشليم لينصرف بعد ذلك إلى الصحراء الداخلية سلك الطريق إلى فلسطين. ‏ولكنه فيما كان جاداً في التوجّه إلى هناك سمع أن الطريق خطرة لأنها تمر بالنواحي التي يقيم فيها السامريون، وهؤلاء كانوا في ثورة ضدّ المسيحيين. ففكر دانيال في نفسه ما عساه يفعل. لم يشأ أن يزغزغ نيتّه، لذا قال حتى ولو متّ لا أتراجع لأنه شيء عظيم أن يموت الإنسان من أجل إيمانه بالرب يسوع. ‏وانتصف النهار ودانيال غارق في أفكاره. وإذا براهب وقور كثيف الشعر يقترب منه. فتطلع دانيال إليه فرآه على هيئة القديس سمعان نفسه. ‏فسأله الشيخ: “إلى أين أنت ذاهب يا بني؟” أجاب: “إلى الأرض المقدسة، إن شاء الله!” قال: “حسناً قلت إن شاء الله! ألم تسمع بأخبار المتاعب في فلسطين؟”  أجاب: “بلى، لكنْ الرب معيني، لذا أرجو أن أعبر بسلام. حتى ولو كان عليّ أن أكابد الآلام فلا بأس لأنّا لله، وإن متنا فإليه راجعون”. فحاول الشيخ أن يثنيه عن عزمه فلم يقتنع. فغضب وأشاح بوجهه عنه قائلاً:”لست أطيق مجادلتك. ليست هذه عادتنا!” فسأله دانيال: “بمَ تنصحني أنت يا أبتي؟” فأجاب: “بأن تذهب إلى القسطنطينية. هناك تجد مبتغاك، والرب الإله يرعاك!”. عند هذا الحدّ من الكلام بلغ الراهبان ديراً وكان النهار قد أمسى، فسأل دانيال الشيخ: “أنبيت في هذا الموضع؟” أجاب: “أجل! أدخل أنت أولاً وأنا أتبعك!”  فدخل دانيال وانتظر فلم يوافه الشيخ. فخرج وبحث عنه فلم يجده. سأل عنه فلم يقل له أحد إنه رآه. فتحيّر دانيال وأخذ يضرب أخماساً بأسداس. بات دانيال ليلته في الدير. وفي نصف الليل إذ كان الجميع نياماً جاء”الشيخ في رؤيا وقال لدانيال: “اعمل ما أوصيتك به!” ثم فارقه. ‏وفي اليوم التالي تساءل دانيال: “من يكون هذا الشيخ؟ أملاكاً أم “إنساناً؟!” ولما لم يجد جواباً وجّه طرفه ناحية القسطنطينية وارتحل.

+ في ناحية أنابلوس:
وصل دانيال إلى القسطنطينية فنزل في ناحية أنابلوس في كنيسة صغيرة تحمل اسم رئيس الملائكة ميخائيل. أقام هناك إلى أن سمع ذات يوم قوماً يتجاذبون أطراف الحديث باللغة السريانية، ففهم أن في الجوار هيكلاً تسكنه الشياطين وهي تتسبب في ترويع الناس وقد غرقت سفن بسببها، وبسببها تأذّى الكثيرون حتى لم يعد إنسان يجرؤ على المرور من هناك. فاستفسر دانيال عن الموضع فدلّوه عليه، فلما بلغا دخل وهو يردّد المزمور القائل: “الرب نوري ومخلّصي ممن أخاف. الرب عاضد حياتي ممن أجزع؟”. وإذ أمسك بصليب كان في حوزته جال بالمكان وأخذ يسجد عند كل زاوية من زواياه مصليا‏. وأسدل الليل ستاره. ‏واشتدّت العتمة ودانيال داخل الهيكل يصلّي، فإذا بحجارة تتساقط في ‏المكان من حوله، وصخب كأنه لجمهور، يطرقون ويضجّون، ولكن لم ‏يعترض أحد دانيال بأذى. وانقضت الليلة الأولى وكذلك الثانية على هذه الحال دون أن يذوق القادم ‏الجديد طعم النوم. ‏وفي الليلة الثالثة غفا. ‏للحال تراءت له أشباح كثيرة لها أشكال عمالقة، وأخذ بعضها يقول له: ‏”من غرّك أن تأتي إلى هذا الموضع يا حقير؟! أتريد أن تهلك يا شقي؟! هيّا بنا نجرّره خارجاً ونلقيه في الماء!”. آخرون حملوا حجارة كبيرة ووقفوا ‏عند رأسه يرومون تهشيمه. ‏واستفاق رجل الله من دون أن يستبد به اضطراب وأخذ يطوف بزوايا الموضع من جديد يصلّي ويرتّل ويقول للأرواح الخبيثة:”أخرجي من ههنا وإلا التهمتك ألسنة اللهب بقوة الصليب المحيي وأجبرت على الفرار!” لكن اشتد هياج الأرواح الشرّيرة وعلا صياحها. فلم يعرها القديس انتباهاً، بل ذهب وأقفل على نفسه في المكان وترك نافذة صغيرة في الباب يستطيع من خلالها أن يكلّم الناس، ثم انصرف إلى النسك والصلاة والسهر. ‏ولم يطل بدانيال الوقت في ذلك الموضع حتى عمّ صيته بين الناس، فأخذوا يتدفقون عليه، رجالاً ونساء وأطفالاً. وكان الجميع يتعجّبون ويقولون: انظروا كم أضحى هذا المكان هادئاً! بعد أن كان مرقصاً للأبالسة صار، بفضل صبر رجل الله هذا، مكاناً يتمجّد فيه اسم الله ليل نهار.

+ عملاء الحسد:
وكان على كنيسة رئيس الملائكة ميخائيل عدد من الكهنة السذّج. هؤلاء حرّك الأبالسة فيهم روح الحسد فجاءهم فكر يقول لهم: “ليس حسناً أن تتركوا الرجل يقيم ههنا. ها قد ذهب إليه العالم كله وأنتم متروكون ولا ما تعملون!” فاهتاج الكهنة وذهبوا إلى المدينة واشتكوا قائلين: “ها قد أتى إلينا رجل لا نعرف أصله، أقفل على نفسه بالقرب من كنيستنا، وجذب الكثيرين إليه، رغم كونه رجلاً هرطوقياً، وهو سرياني اللسان ولا نعرف كيف نكلّمه!” فأجابهم الأسقف، وهو أناطوليوس البطريرك (449-458‏م)، قائلاً: “إذا كنتم لا تعرفون لغته ولا كلمتموه فكيف عرفتم أنه هرطوقي! اتركوه بسلام، لأنه إذا كان من الله فسيثبت، وإذا لم يكن من الله فسينصرف عنكم من ذاته قبل أن تطردوه! لا تكونوا عثرة لأحد ولا تتسبّبوا بفضيحة!”. فعلى كلمة البطريرك عاد الكهنة إلى كنيستهم بسلام ولو إلى حين. ولكن، لم تهدأ الأبالسة. اجتمعت الأشباح على القديس من جديد بسيوف وهي تصرخ: “من أين جئت يا رجل؟ أعط مكاناً لنا لأننا نقيم في هذا الموضع من زمان، أم تريد أن نقطّع أطرافك تقطيعاً؟!” ثم إذ دنت الأشباح من القديس كلّم بعضها بعضاً قائلاً: “لا نقتلنّه بل نجرّرنّه خارجاً ونغرقنّه في المياه كما أغرقنا السفينة!”. ثم أخذت تتحرك من حوله كما لو كانت تريد الإمساك به وجرّه إلى الخارج بالفعل. فانتصب رجل الله وصلّى ثم قال للأبالسة: “الرب يسوع المسيح، مخلّصي، الذي وثقت وأثق به، هو يغرّقكم في أعماق الهاوية!”. ولما قال لهم هذا ولولوا بصوت عظيم وأخذوا يطيرون حول وجهه كأسراب الخفافيش، ثم أزت أجنحتهم وخرجوا من النافذة الصغيرة خاسئين. ولم يستسلم الشيطان. عاد إلى الكهنة، ضعاف النفوس، كهنة كنيسة رئيس الملائكة وأهاجهم من جديد فذهبوا إلى البطريرك وقالوا له: “يا سيد، إن لك سلطاناً علينا! هذا الرجل المقيم في جوارنا لسنا نطيق بقاءه، فمره أن يخرج من هنا لأنه دجّال!” فما كان من أناطوليوس البطريرك سوى أن أوفد ضابط الكنيسة العظمى برفقة شمامسة إلى القديس، فخلعوا الباب واقتادوه إلى البطريرك. فلما وقف القديس أمام البطريرك سأله هذا الأخير عن نفسه وعن إيمانه، ولما ‏أجاب حسناً بوساطة مترجم، وقف أناطوليوس وعانقه وطلب منه أن يلازم الدار البطريركية إذ رأى فيه نعمة عظيمة. ‏ومرض البطريرك فطلب صلاة القديس، فصلّى القديس من أجله، وبنعمة الله شفاه. وإذ رغب البطريرك إلى رجل الله أن يقيم بجواره في أي دير يختاره لم يشأ بل قال: “إذا كنت تريد أن تسدي إليّ بخدمة فإني أسأل قداستك أن تعيدني إلى المكان الذي قادني الرب إليه أولاً”. فأمر البطريرك بإعادته إلى مكانه مكرّماً. أما الكهنة المفترون فشاء أن يلقي عليهم الحرم ولكن توسّط لديه القديس ورجاه أن يسامحهم. دامت إقامة دانيال في هيكل الأوثان تسع سنوات.

+ نحو السيرة العمودية:
‏وحدث لخادم الله أن دخل مرة في غيبوبة وعاين عموداً شاهقاً من سحاب السماء وعليه سمعان المغبوط محاطاً بشبه ملاكين مجلّلين بالبياض. وإذ بصوت سمعان يناديه قائلاً له: “تعال إليّ يا دانيال!”. فأجاب: “يا أبي، يا أبي، كيف أقدر أن أرتقي إلى علوّك الشاهق؟” فأرسل سمعان الشابين قائلاً لهما: “انحدرا إليه وأتياني به!” فنزلا وأخذا دانيال ورفعاه إلى سمعان. فضمّه سمعان إلى صدره وقبّله قبلة مقدّسة. في تلك اللحظة بالذات، دعا ‏آخرون سمعان للذهاب معهم فتبعهم فساروا به إلى السماء ودانيال وراءه على العمود مع الرجلين. وإذ بصوت سمعان يصدح في أذني دانيال: “اثبت وكن رجلاً!” فكان الصوت في أذنيه كالرعد. ‏ولم تمض على تلك الرؤية أيام قليلة حتى وصل إلى القسطنطينية سرجيوس، أحد تلاميذ سمعان، وأخبر عن رقاد معلمه. كان في حوزته معطف القديس الجلدي حمله بركة إلى لاون الإمبراطور. ولكن، حدث، بتدبير الله، أن الإمبراطور كان منهمكاً بشؤون الحكم فلم يتسنّ لسرجيوس مقابلته. وإذ انتظر طويلاً على غير طائل قرّر الخروج إلى دير الذين لا ينامون. ولكن إذ كان على المسافرين إلى هناك أن يركبوا المياه، كان لا بد لهم أن يمروا بالقرب من أنابلوس. فلما بلغوا الموضع، سمع سرجيوس عن دانيال وكيف طرد الأبالسة التي اعتادت أن تروّع الناس وتغرق السفن العابرة في القناة، فتحرّك قلبه وسأل إذا كان بإمكانه أن ينزل إلى القديس ‏ليتبرّك منه، فأجابه الجميع بالإيجاب لأنهم هم أيضاً رغبوا في أخذ بركته. ولما جاء سرجيوس إلى القديس استقبله هذا الأخير بالعناق، لاسيما بعدما عرف منه أنه تلميذ سمعان المغبوط. أخبره سرجيرس أن سمعان رقد، ‏ فردّ عليه دانيال بأن أطلعه على الرؤية التي كانت له. فتفرس سرجيوس فيه متعجباً ثم قال له: “إذن إليك أرسلني الله لا إلى الإمبراطور!” ثم أخرج المعطف الجلدي وأعطاه إياه. فأخذه دانيال وضمّه إليه بدموع قائلاً: “مبارك أنت يا الله، يا من تصنع كل شيء بحسب مشيئتك، يا من حسبتني في حقارتي أهلاً للبركة التي حملها إليّ خادمك هذا!” في تلك الأثناء، تضجّر ركاب السفينة من تأخر سرجيوس وناداه أحد البحّارة أن ينزل سريعاً وإلا. ‏يتركونه وراءهم فأجابهم:”امضوا في سبيلكم، الله معكم! أما أنا فباق هنا لأن الله شاء فاقتادني من أب إلى أب!”. ‏ولازم سرجيوس دانيال إلى أن عاين في رؤية، ذات مرة، ثلاثة رجال قالوا له: “قل للأب دانيال أن زمانك، في هذه الكنيسة، قد اكتمل، فهيّا انصرف من ههنا وباشر ما أعدّه لك الله!”. فلما عاد سرجيوس إلى نفسه أخبر معلّمه بما رأى فأيقن دانيال أن ساعة دخوله الجهاد الأكبر قد دنت. مذ ذاك أرسل سرجيوس ليبحث له عن مكان مناسب لنصب العمود على إحدى الهضاب في الجوار، فيما أخذ مرقص، أحد أبناء القديس دانيال الروحيين، على عاتقه تأمين حجارة العمود.

+ صاحب الأرض يحتجّ:
وجهز كل شيء، فخرج المغبوط من منسكه أثناء الليل. ولما صعد على العمود صلّى هكذا: “أيها الرب يسوع المسيح، إني، باسمك القدّوسّ، أدخل في هذا الجهاد، فبارك قصدي وساعدني على إتمام سعي”. ولم يطل بقديسنا المقام حتى بلغ خبره جيلانيوس، صاحب الأرض، وكان مقتدراً، فغضب غضباً شديداً وصعد إليه برفقة عدد من عمّاله وفي نيته أن يلقيه خارجاً. أكثر تلك البقعة كان مزروعاً كرمة. كان الجو صاحياً وموسم القطاف على الأبواب. فجأة تحركت الغيوم بسرعة وعصفت الأهوية ونزل البرّد وضرب عناقيد العنب وأوراق الكرمة فأتلفها. انذهل الرجال لهذا المنظر وبالجهد بلغوا العمود. كلّم جيلانيوس المغبوط بقسوة. كان وقحاً ولم يعتبر. ولكن أمام صمت القديس ووداعته شعر العمّال بنخس القلب فقالوا لجيلانيوس: “دعه وشأنه ولا تزعجه!العمود، في كل حال، في طرف أرضك، ولا يعيق مزروعاتك في شيء!”. فأصرّ جيلانيوس على القديس أن ينزل ولو بضع درجات. وكالحمل الوديع أخذ المغبوط في النزول. فلما رآه جيلانيوس قد فعل ووقع نظره على رجليه المنتفختين المتقرّحتين انعصر قلبه وركض ورجا المغبوط أن يعود إلى مكانه ويصلّي له. فباركه القديس وصحبه وعاد إلى عموده، فيما انحدر جيلانيوس وعمّاله من هناك بسلام. ولم تمضِ أيام معدودة على ما حدث حتى صعد صاحب الأرض إلى دانيال من جديد، ولكن، هذه المرة، لأنه رغب إليه بإصرار أن يسمح له بإقامة عمود أكبر وأوسع من الذي كان القديس واقفاً عليه. فقبل رجل الله العطية وشكر وبارك. ولما زار أحد الغيارى دانيال بعد أيام احتج لديه أنه قبل عموداً من رجل وقح عامله بفظاظة، فأجابه القديس: “قبلته منه لأني لم أشأ أن أجرحه!”.

+ شاب فيه روح نجس:
وقدم إلى القديس رجل اسمه سرجيوس من بعيد، من نواحي تراقيا. هذا كان له ابن شاب يدعى يوحنا فيه روح شرّير. فلما بلغ سرجيوس العمود ألقى بنفسه أمام القدس باكياً منتحباً صارخاً: “يا خادم الله، ارأف بابني، فإن فيه روحاً نجساً يعذّبه. ومنذ ثلاثين يوماً والروح الخبيث يتلفّظ باسمك، وقد مضى علينا ثمانية أيام ونحن نبحث عنك. وها قد أتينا إليك فأعنا!”. وكان جيلانيوس وآخرون واقفين، فلما رأوا منظر الصبي وأبيه انفجروا باكين. فقال القديس لسرجيوس، وكان هذا الأخير شيخاً: “كل من يسأل بإيمان يعطيه الله ما أراد. فإذا كنت تؤمن أن الله، بوساطتي أنا الخاطئ، سوف يشفي الصبي، فبحسب إيمانك يكون لك!”. ثم أشار إلى تلميذه أن يعطي الصبي بعضاً من الزيت المقدّس ففعل. فاهتاج الروح الخبيث فيه وخبطه أرضاً فأخذ يتدحرج. ثم صار يلعن ويسب واعداً بالخروج منه ولكن بعد أسبوع!. يذكر أن القديس كان قد أخرج روحاً خبيثاً، قبل حين، من ابنة رجل اسمه كيروس، قنصلاً سابقاً. ومنها أيضاً لم يخرج الروح إلا بعد أسبوع. وحدث لما كان القديس على وشك الانتقال إلى عموده الجديد، أن الروح الخبيث اهتاج في يوحنا لأنه شعر بقوة تدفعه خارجاً، فصرخ بصوت عظيم قائلاً: “يا لعنف هذا الساحر الكاذب! عندما كان بعد في منسكه أخرجني من ابنة كيروس فمضيت إلى تراقيا ونزلت في هذا الشاب، وها قد عاد بي من تراقيا ليضطهدني! ماذا تريد مني يا دانيال؟ يا للمصيبة! عليّ أن أخرج من هذا الإنسان أيضاً!” وبعد أن تهجّم على القديس وعذّب الشاب خرج منه بقوة الرب الإله. فلما خرج فاحت منه رائحة كريهة كانت قوية لدرجة أن الحاضرين اضطروا أن يغطوا أنوفهم، فيما انطرح الشاب على الأرض بلا حراك وهو فاغر فمه حتى قال الجميع إنه قد مات. فأمر القديس أباه أن يجلسه ويسقيه من الزيت المقدّس. فما أن فعل حتى تقيّأ دماً أسود متخثراً. إذ ذاك صرخ رجل الله من فوق العمود: “يا يوحنا، ما الذي يوجعك؟! قم على قدميك!” للحال نهض الصبي كما من رقاد النوم وركض إلى العمود وقبّله شاكراً الله وقدّيسه. فأخذ الجميع خوف ورفعوا أيديهم إلى السماء وهم يبكون ويهتفون: “يا رب ارحم. يا رب ارحم…”. ‏بعد ذلك ترهّب الشاب ولازم المغبوط.

+ المتهكّمون والمفترون:
‏وسلّط الشيطان على قديس الله عدداً من المتهتّكين للطعن فيه وتشويه سمعته بين الناس. ‏امرأة زانية استأجرها قوم فصعدت إلى حيث كان قديس الله وادّعت أنها أغوته، ولفّقت بشأنه رواية مشينة قام أصحابها بترويجها، فاضطربت المدينة بين مصدِّق ومكذِّب. ولم يشأ الله للمفترين أن ينجحوا فاستبدّ بالمرأة روح خبيث عذَّبها فاعترفت أمام الجميع بأنها افترت على رجل الله وأن فلاناً وفلاناً من الناس وعدوها بمال لقاء ما فعلت. ‏ولم يخرج الروح الخبيث من الزانية حتى صعد بها قوم إلى القديس، فتوسّل إلى الرب الإله ساعات من أجلها بدموع. ورجل غنيّ ضعيف النفس متعجرف حرّكه إبليس فصعد وأفراد عائلته إلى موضع القدّيس وأخذ يتكلم عنه بمزاح وتجريح مدّعياً أنه جاء ليتبرّك منه فإذا به يتعثر من تصرفاته. ثم أخرج من عبّه سمكة قال إنه وجدها عند أسفل السلّم واتهم القدّيس بالإدّعاء وحب البطن. فتشوّش الناس من كلامه. ولكن لم يلبث الرجل وجميع أفراد عائلته أن أخذتهم الرعدة وقبض عليهم الروح النجس، فأخذ الرجل يطوف بالمكان كالمجنون معترفاً، رغماً عنه، بما شيّعه عن المغبوط زوراً. أما قديس الله فتحنّن عليه وعلى عائلته وشفاهم، بنعمة الله، بعد ثلاثة أيام. ‏ورجل غوطي من العسكر سخر من القديس وتهكّم عليه فسقط من علو،‏ حيث كان، وقضى.

+ القديس ولاون الإمبراطور:
‏سمع الإمبراطور الكثير عن القديس وكان، أوّل أمره، يسأل صلاته وبركته عن بعد، عبر آخرين، ثم صار يأتي إليه ويستشيره في شؤون الحكم، إذ كانت للقديس موهبة التبصّر والنبوءة. كما اعتاد أن يصطحب بعض ضيوفه من الملوك والسفراء إلى رجل الله. وقد ورد أنه كلما كان الإمبراطور يأتي لزيارة القديس كان ينزل عن حصانه أول ما يظهر له القديس على عموده من بعيد، ولا يمتطيه ثانية، في رحيله عنه، إلا بعد أن يغيب عن عينيه. وقد أقام للقديس عموداً ثالثاً أكبر من سابقيه، كما استقدم من إنطاكية بعضاً من رفات القديس سمعان، بناء لطلب المغبوط، وبنى كنيسة بقرب العمود، جعل الرفات فيها، وكذلك ديراً للإخوة ومضافة‏ للغرباء.

+ نبوءة تتحقق:
‏وكُشف لدانيال أن غضب الله على وشك أن يحلّ بالمدينة المتملكة إلا أن. يتوبوا، فأعلم الإمبراطور والبطريرك بالأمر ورجاهما أن يدعرا الناس إلى التوبة وأن تقام الصلوات والتضرعات لرفع الغضب الآتي. ولكن كان عيد الآلام الخلاصية لربنا يسوع المسيح على الأبواب ولم يشأ الإمبراطور والبطريرك أن يبلبلا الشعب ويحزناه قائلين متى عبر العيد نفعل ذلك. ولكن مرّ العيد وما بعد العيد وانتسي الأمر. ‏وكان بعد بضعة أشهر أن شب في المدينة حريق هائل، في اليوم الثاني ‏من شهر أيلول سنة465‏م، قضى على قسم كبير من المدينة وامتد من البحر إلى البحر، حتى اضطر الإمبراطور أن يترك المدينة لمدة ستة أشهر. كان الأسى عارماً وأكثر الناس اضطروا إلى مغادرة منازلهم. وقد صعد الكثير منهم إلى القديس يبكون ويولولون ويصفون هول المأساة ويستشفعون. فبكى المغبوط وقال لهم: “لقد شاء الإله الرحيم أن يقيكم، بصلاحه، مما كان ‏مزمعاً أن يأتي عليكم، فلم يبق صامتاً بل أعلمكم بالأمر قبل حدوثه علّكم تتّقون. ولو تضرعتم إليه بدموع واصطلحتم لصرف غضبه عنكم ووفرّتم على أنفسكم آلاماً هذا مقدارها. فأهل نينوى قديماً أنذرهم النبي بالخراب المزمع أن يحلّ بهم فانتصحوا وتابوا فسومحوا… والآن أتوسّل إليكم أن تحملوا هذا النير الملقى على عواتقكم لأن الخادم الأمين يقبل التأديب من يد معلمه بممنونية. فإن فعل حسبه سيّده أهلاً لا لكرامته السابقة وحسب بل لكرامة أعظم”. ‏على هذا النحو، وبأقوال كهذه الأقوال، نجح القديس في تحويل يأس ‏العديدين إلى رجاء فانصرفوا متعزّين.

‏+ القديس كاهناً:
‏ورغب الإمبراطور إلى البطريرك جنّاديوس أن يسيم القديس كاهناً ‏فخرج إليه بعد تردّد. ولما طلب السلّم متذرّعاً بأنه من زمان وهو يشتهي أن يصعد إليه ليحظى ببركة صلواته، صمت القديس. كان يعرف قصد البطريرك جيداً، ولم يشأ أن يوعز بتقديم السلّم لتواضعه وشعوره بعدم الاستحقاق. أخيراً سامه البطريرك عن بعد. وبعدما فعل قال له: باركنا يا ‏كاهن العلي فأنت قد صرت كاهناً! أنا صلّيت من هنا والرب الإله جعل يده عليك من هناك! فهتفت الجموع: “مستحق. مستحق!”. إذ ذاك أذعن القديس للأمر وأشار بتقديم السلّم فصعد البطريرك إليه. وبعدما تبادل وإياه القبلة المقدسة تناول كل منهما الجسد والدم الكريمين من يد الآخر.

+ القديس والعاصفة الثلجية:
وهبّت عاصفة ثلجية على الناحية التي كان فيها العمود. لم يعتد القديس، إلى ذلك الحين، أن يتظلّل بشيء البتة. ولكن كان عليه معطف من جلد. ومن شدة الأهوية تمزّق وقذفته العاصفة بعيداً. ثم إن الجليد والثلج غطيا رجل الله دون أن يتمكن تلاميذه من الاقتراب إليه الليل بطوله. ولما هدأت العاصفة في اليوم التالي بدا القديس كأنه جثة أو عمود ملح. لقد غدا شعره قطعة جليد ووجهه مغطى كما بزجاج. لا حركة ولا كلمة! فأسرع تلاميذه ببعض الماء الدافئ وأخذوا إسفنجا وصاروا يفركونه قليلاً قليلاً. وبالجهد استعاد قدرته على الكلام. ولما قالوا له مذعورين: “لقد كنت في خطر عظيم يا أبانا!” أجاب وكأنه صحا لتوه من رقاد النوم: “صدقوني، يا أولادي، إني كنت، إلى هذه الساعة، في راحة كاملة! فعندما اشتدت العاصفة وتمزّق معطفي شعرت بأسى عميق دام قرابة الساعة. وبعد أن أغمي عليّ قليلاً صحوت وطلبت من الإله الرحيم أن يعينني! فإذا بي أغفو. وبدا لي إني استلقيت على سرير وكانت عليّ أغطية وشعرت بالدفء، ورأيت رجلاً جالساً عند رأسي كان، بحسب ظني، الرجل الذي التقيته في طريقي إلى الأرض المقدسة واختفى عني. كان يكلّمني بحب كبير حتى أنه أخذني بين ذراعيه وأدفأني وقال لي: أحبّك حباً كبيراً وأحببت أن أكون بقربك! إن ‏أغصاناً مثمرة عديدة سوف تزهر من جذرك! وإذ كنت أنعم بصحبة الرجل  أيقظتموني. قال القديس ذلك بحزن وكأنه لام تلاميذه على ما فعلوا. من تلك الحادثة أصرّ لاون  الإمبراطور على القديس أن يقبل بأن يقام له على العمود ملجأ يلتجئ، إليه في العواصف والأعاصير، وبالجهد رضخ.

+ ضابط اسمه تيطس:
‏وأحب لاون الإمبراطور أن يكسب ودّ رجل مغوار كان مقيماً في بلاد ‏الغال، له تحت إمرته رجال عديدون مدرّبون تدريباً جيداً على القتال. اسم الرجل كان تيطس. هذا استقدمه الإمبراطور إلى القسطنطينية وأرسله لزيارة قديس الله. فلما وقع نظر تيطس على المغبوط وسمع كلامه تعلّق قلبه به وقال: “كل تعب الإنسان يذهب على الغنى وجمع المقتنيات وإرضاء الناس. ولكنْ ساعة موته تذهب بكل ما يكون قد جمعه. لذلك خير لنا أن نكون خداماً لله لا للناس!”. تفوّه تيطس بهذا وألقى بنفسه أمام رجل الله متوسلاً إليه أن يقبله في عداد رهبانه. فلما بارك القديس عليه وأثنى على عزمه، استدعى تيطس جنوده وقال لهم: “من الآن فصاعداً أنا جندي للملك السماوي. لقد كنت إلى الآن ضابطاً عليكم. لا نفعت نفسي ولا نفعتكم بل كنت أحثّكم على القتل وإراقة الدماء. أما الآن فإني أتخلى عن كل ذلك. فمن أراد منكم أن يبقى معي فليبق. لا ألزمكم بشيء. وها أمامكم أموال فخذوا منها وعودوا إلى بيوتكم”. ثم وزّع عليهم المال، وانصرفوا كلهم إلا اثنان لازماه واقتبلا دعوته إلى الحياة الرهبانية. ‏أما تيطس فأخذ يراقب القديس في سرّه ليرى ما يأكل وما يشرب وكيف يقضي حاجة نفسه. وقد بقي كذلك أسبوعاً كاملاً دون أن يتمكن من معرفة شيء عنه. فصعد إليه ورجاه أن يفسِّر له الأمر، فتطلع القديس إليه بحنان وقال له: “صدّقني يا أخي إني آكل وأشرب ما يكفيني لحاجتي. أنا لست روحاً ولا من دون جسد. أنا إنسان مثلك من لحم ودم… وأجاهد لأحفظ عفّة بطني. وإذا جرِّبت بأخذ ما يزيد عن حاجتي قاصصت نفسي…!” فسأله تيطس: “إذا كنت أنت الذي تقف في وجه الرياح ولك مثل هذا الجسد تجاهد لتحفظ عفّة البطن لخير نفسك فما الذي عليّ أنا أن أفعله، أنا الشاب القوي بالجسد؟ “فأجابه القديس: “افعل ما يقدر جسدك عليه! لا تحمِّل جسدك أكثر من طاقته ولا أقل من استطاعته. لو كنت لتشحن السفينة فوق حمولتها لتسببت في غرقها،  ولو كنت لتتركها دون حمولة كافية لكانت الرياح تقلبها. إني بنعمة الله، يا أخي، أعرف طاقتي وأقيس طعامي على قدر حاجتي. فذهب تيطس منتفعاً من كلام الشيخ ومارس نسكاً على قدر طاقته إلى أن رقد مرضياً لله.

+ القديس وباسيليوس:
‏بعد الإمبراطور لاون اعتلى العرش زينون ثم حلّ محله باسيليسكوس المغتصب (475-476م). هذا احتضن أفكاراً هرطوقية ودخل في صراع مكشوف مع البطريرك أكاكيوس (471-489م) وقد بعث باسيليسكوس إلى المغبوط برسول يستميله إليه سائلاً بركته فردّ عليه القديس بالجواب التالي: “أنت لا تستحق البركة لأنك قبلت أفكاراً يهودية وألغيت تجسّد الرب يسوع وأقلقت الكنيسة المقدّسة واحتقرت خدّامها. ومكتوب: لا تعطوا القدس للكلاب ولا تطرحوا درركم قدّام الخنازير. لذلك اعلم أن الله سوف ينزع ملكك وطغيانك”. ‏أما أكاكيوس فبعث إلى القديس برهبان قائلاً له: “اقتدِ بالمسيح معلمك الذي أحنى السموات ونزل وتجسّد من عذراء قديسة وعاشر الخطأة وبذل دمه ليقتني العروس التي هي الكنيسة. والآن والكنيسة يهينها الأشرار وشعبها تبعثره ذئاب شرسة وراعيها تضربه العاصفة، أقول لك لا تتجاهل شيبتي بل أمل أذنك وتعال افتدِ أمّك الكنيسة!” فلما أتوا إليه سجدوا أمامه ونقلوا له ما آلت إليه حال الكنيسة والبطريرك والكهنة والشعب المؤمن فاستمهلهم ليصلي. وفي نصف الليل، جاءه صوت يقول له: “قم انزل مع الآباء ولا تتردّد، ثم عد واستكمل خط سيرك بسلام!”. للحال أيقظ القديس تلاميذه، ونزل عن عموده بصعوبة كبيرة لآلام قدميه، وذهب مع الآباء إلى المدينة فبلغوا الكنيسة العظمى قبل الفجر. ‏ولما أطلّ الصباح وبدأ الناس بالتوافد إلى الكنيسة، رأوا المغبوط ‏فاندهشوا وأذاعوا أن القديس حضر فاجتمعت المدينة كلها إليه. ‏وأحس باسيليسكوس بأن نزول القديس إلى المدينة استقطب الناس ‏فخشي على حكمه وتراجع. توجه إلى الكنيسة العظمى صاغراً وتقدّم هو والبطريرك إلى رجل الله وسجدا عند قدميه، فحيّاهما ودعاهما إلى السلام فيما بينهما، وألزم باسيليسكوس بتحرير دستور يعلن فيه التزامه الإيمان القويم لتهدئة ثائرة الشعب. وبعدما تمّم كل شيء وانصرف الشعب كل إلى بيته عاد رجل الله إلى عموده. ولكن قبل أن يصعد إليه من جديد أسرّ لمن كانوا حوله أن نيّة باسيليسكوس غير صافية وإن الله سيقصيه عن الحكم في وقت قصير. وهكذا كان، إذ لم تمرّ أشهر قليلة على نزول القديس إلى المدينة حتى أطيح بباسيليسكوس وعاد زينون ليحكم حتى العام 491م.

+ ‏أشفية أيضاً وأيضاً:
‏لم ينقطع سيل القادمين إلى القديس طلباً للاستشفاء. ولوداعته لم يكن ‏يردّ أحداً، والله أجرى على يديه عجائب جمّة. من هذه العجائب أن رجلاً اسمه هيباسيوس لم يحسب نفسه مستحقاً للمجيء إلى رجل الله. وكان شبيهاً بقائد المئة في الإنجيل. فقد اعتاد كلما مرض أحد من أهل بيته مرضاً صعباً أن يبعث إلى القديس برسالة يسأله فيها الصلاة من أجله. وما أن يصل جواب القديس إليه مكتوباً حتى يأخذه ويجعله على المريض كما لو كان يد ‏الرب يسوع المسيح بالذات فيشفى المريض للحال.

+ ‏تنبؤه بموت زينون الملك:
‏عرف القديس بروحه، قبل حين، أن زينون الملك على وشك المغادرة إلى ‏ربّه فبعث إليه بعدد من الرسائل الغامضة. أخيراً كلمه بصراحة قائلاً له أن بإمكانه أن يكون واثقاً من رحمة ربه عليه إن هو اهتمّ، في ما بقي له من عمر على الأرض، بالامتناع عن اشتهاء ما للغير وأن يتخلّص من المخبرين ويعامل برأفة وكرم كل الذين أساؤوا إليه لأن الله لا يُسرّ بأمر كما يُسرّ بالصفح واللطف.

‏+ مرض القديس ووصيته:
 ومرض القديس ورغب الكثيرون في إعداد مقبرة حجرية فخمة له. فعلّق على ذلك بالقول: “كل هذا الذي ينوون فعله عظيم وفي مستوى إيمانهم بالله وكاف ليستنزل عليهم رضى ربهم، ولكن لا يناسبني أن يكون لي مكان راحة من حجر وعلى هذا القدر من الغنى، بل أشتهي أن أدفن في التراب لأن أمر الله هو هذا: “أنت من التراب وإلى التراب تعود…” رغبتي هي أن أدفن عميقاً في الأرض وأن تكون بقايا القديسين الشهداء موضوعة فوقي، حتى إذا ما رغب أحد في زيارة مكان راحتي ليتقوى إيمانه يحيّي القدّيسين ويأخذ منهم جائزة أعماله الصالحة وينجّي نفسه من الدينونة”. وبالفعل، لما رقد القديس تمّم تلاميذه وصيته وجعلوا فوق قبره رفات الفتية الثلاثة القدّيسين حنانيا وعازاريا وميصائيل.

+ ‏دعاؤه لتلاميذه:
قبل رقاد القديس بسبعة أيام وهو عارف بكل شيء، جمع تلاميذه وقال لهم: “أخوتي وأبنائي، ها أنا ذاهب إلى الرب يسوع المسيح. الله الذي خلق كل الأشياء بكلمته وحكمته، السماء والأرض والبحر وكل ما فيها، وأخرج جنس البشر من العدم إلى الوجود، الذي هو رهيب لملائكته رئيف بالناس، الذي أحنى السموات ونزل إلى الأرض، كالمطر الهاطل على الحضيض، على العذراء القديسة مريم، والدة الإله، الذي سرّ وارتضى أن يتجسّد منها بطريقة لا يعرفها أحد غيره، وأن يُرى من الناس على الأرض، الرافع خطايا العالم، الذي تألم من أجلنا، وبجراحه على الصليب شفى جراحنا الروحية وسمّر الصك الذي كان ضداً لنا، هو يشدّدكم ويحفظكم سالمين من كل شر ويسدّد إيمانكم به ثابتاً راسخاً لا يتزعزع إن كنتم تحفظون الوحدة والمحبة الكاملة فيما بينكم إلى آخر نفس لكم! ليسبغ الله عليكم النعمة لتخدموه بلا عيب وتكونوا جسداً واحداً وروحاً واحداً، ثابتين في التواضع والطاعة. لا تهملوا الضيافة. احذروا أن تفصلوا أنفسكم عن أمكم المقدسة التي هي الكنيسة. تحوّلوا عن كل أسباب الإساءة وطحالب الهراطقة الذين هم أعداء، للمسيح، لتكونوا كاملين كما أن أباكم السماوي هو كامل. والآن أستودعكم الله، يا أولادي الأحبة، وأضمّكم جميعاً إلى صدري بمحبة الأب. الرب معكم!”.

+ ‏رقاده:
‏رقد القديس دانيال عند الساعة الثالثة من نهار السبت الحادي عشر من شهر كانون الأول سنة 493 ‏م. وقد ذكر أن إنساناً ممسوساً قال الروح النجس فيه أنه سوف يخرج من الرجل في الساعة التي يأتي الملائكة والأنبياء والرسل والشهداء والقدّيسون لنقل القديس إلى السماء. وهذا ما حدث. كان ‏القديس قد بلغ الرابعة والثمانين من العمر.

Facebooktwittergoogle_plusredditpinterestlinkedinmail

No Comments Yet.

Leave a comment